على مدى عقود، اعتاد مربو الأسماك في مختلف أنحاء أفريقيا والشرق الأوسط على استخدام الأعلاف التقليدية وبكميات كبيرة. إلا أن أحد خبراء تغذية الأسماك يرى أن الوقت قد حان لتغيير هذه الممارسات، لأنها تكلف المزارعين أكثر بكثير من مجرد خسارة جزء من العائدات.
إن إدارة مزرعة سمكية ناجحة تتطلب أكثر بكثير من مجرد تقديم العلف للأسماك في الأحواض. فوضع استراتيجية تغذية مناسبة، إلى جانب تطبيق ممارسات فعالة لإدارة التغذية، يسهم في معظم الحالات في زيادة ربحية المزرعة وتحسين جودة المنتج النهائي.
ومع ذلك، لا يزال العديد من مربي الأسماك في الشرق الأوسط وأفريقيا لا يولون هذين الجانبين الاهتمام الكافي في عملياتهم اليومية، وهو ما يمثل فرصة ضائعة، بحسب الدكتور ألكسندر غرايلينغ، مدير الأبحاث لمنطقة أفريقيا والشرق الأوسط في Aller Aqua. ويرى أن الكثير من المزارعين يفقدون عائدات مهمة ولا يستفيدون من الإمكانيات الكبيرة التي لا تزال غير مستغلة في قطاع الاستزراع المائي.
" يسود اعتقاد خاطئ، خصوصًا بين مربي الأسماك في أفريقيا، بأن الحديث عن استراتيجيات التغذية وإدارتها هو أمر معقد ومخصص فقط للمزارع الكبيرة التي تستطيع تحمل تكلفته. وهذه مشكلة حقيقية، لأن ذلك ببساطة غير صحيح. يجب أن تتغير هذه النظرة."
ويؤكد غرايلينغ أن على المزارعين وأصحاب المزارع الاهتمام بكل من استراتيجية التغذية وإدارتها. ولتحقيق ذلك بالشكل الصحيح، لا بد من الاعتماد على بيانات موثوقة، معرفة فنية جيدة وتعاون وثيق بين العاملين في وحدات الإنتاج وإدارة المزرعة، وصولًا إلى المتخصصين في البحث والتطوير لدى شركات الأعلاف.
نجاح الإنتاج يعتمد على إدارة التغذية
يتطلب وضع استراتيجية تغذية جيدة مراعاة عدة عوامل. ففي البداية، يجب فهم الاحتياجات البيولوجية للأسماك التي تتم تربيتها في المزرعة. وبعد ذلك ينبغي تحديد أهداف واقعية، ووضع خطط تغذية قابلة للتطبيق، وضمان استمرارية الإنتاج بشكل مناسب لهذا النوع من الأسماك. كما يمكن أن يكون للرصد المنتظم للأحواض وإجراء تقييمات دورية لأداء الأسماك أثر كبير على النتائج.
"أعرف أن هذه هي النقطة التي يبدأ عندها العديد من المزارعين في الشعور بأن الموضوع أصبح معقدًا"، يعترف غرايلينغ، لكنه يشدد في الوقت نفسه على أن الدعم متاح.
"بالتأكيد يمكننا مساعدة صاحب المزرعة السمكية، ولكن علينا أولًا أن نفهم طموحاته وأهدافه. كما نحتاج إلى دراسة الظروف البيئية، وتغير الفصول، وجودة المياه، وحجم المياه ومعدل تدفقها. ومن المهم أيضًا معرفة التشريعات المحلية والأنشطة القائمة في المناطق الواقعة أعلى مصدر المياه، لأن الأنشطة الصناعية المكثفة أو الزراعية قد يكون لها تأثير على المزرعة. وبعد ذلك يمكننا وضع خطة لتحسين أداء الأسماك، وحساب التكاليف، وتحديد التوقيت المناسب لتغيير نوع العلف خلال مراحل النمو."
لكن غرايلينغ يؤكد أن هناك مبدأ أساسيًا يجب على مربي الأسماك فهمه إذا أرادوا أن تتحول استراتيجيتهم إلى نتائج تجارية مزدهرة:
"يجب على المزارع اختيار العلف المناسب للنوع المناسب من الأسماك. وفي كثير من الأحيان يكون الاختيار مبنيًا على الحصول على أرخص علف ممكن. لكن سعر العلف في حد ذاته ليس العامل الحاسم على المدى الطويل. استخدام علف عالي الجودة يتوافق مع الاحتياجات الغذائية للأسماك يمكن أن يحقق عائدًا أعلى بكثير. لذلك، بدلًا من التركيز فقط على سعر العلف، يجب التركيز على مقدار الربح الذي يمكن تحقيقه من كل كيلوغرام من الأسماك المنتجة."
المعرفة هي نقطة البداية
في إطار أنشطة البحث والتطوير لدى Aller Aqua، يقوم الدكتور غرايلينغ وزملاؤه بجمع وتحليل البيانات من المزارع السمكية في مختلف أنحاء المنطقة. ويتم دمج هذه البيانات مع نتائج مركز الأبحاث التابع للشركة في ألمانيا، إلى جانب بيانات أداء أعلاف Aller Aqua من مختلف الأسواق حول العالم، بهدف مواصلة تطوير تركيبات الأعلاف والمساهمة في تحسين كفاءة إنتاج الاستزراع المائي عالميًا.
لكن هذه المعرفة لا تحقق قيمة حقيقية للمزارع إلا عندما يتم تطبيقها فعليًا في وحدات الإنتاج. وهنا يأتي دور مفهوم إدارة التغذية. فنجاح أي استراتيجية تغذية يتطلب تطبيق ممارسات سليمة لإدارة التغذية، وكل ذلك يبدأ عند الأحواض.
"في البداية، يجب أن يتعلم المزارعون الطريقة الصحيحة لتقديم العلف. وهذا يعني معرفة متى يتم تقديم العلف، وما الكمية المناسبة، وأين يجب توزيعه تحديدًا داخل وحدات الإنتاج. بالإضافة إلى ذلك، تشمل الإدارة الجيدة للتغذية الجانب اللوجستي أيضًا. فكثيرًا ما يتأخر المزارعون في طلب دفعات جديدة من العلف حتى تنفد الكميات الموجودة لديهم. لذلك تعتمد إدارة التغذية أيضًا على وجود تواصل واضح بين العاملين في الأحواض والأشخاص المسؤولين عن طلب الأعلاف."
ويضيف الدكتور غرايلينغ أن الأمر ليس بالصعوبة التي قد يبدو عليها، حيث يحصل العملاء على الدعم العملي والعروض التوضيحية، بل وحتى التدريب على كيفية تحقيق أفضل النتائج الممكنة باستخدام العلف.
إدارة التغذية تصنع فارقًا حقيقيًا
هناك العديد من الأدلة التي تؤكد أن الاهتمام بإدارة التغذية يحقق عائدًا ملموسًا، وقد تم توثيق ذلك عدة مرات في مزارع بأفريقيا والشرق الأوسط.
"أكملنا مؤخرًا تقييمًا كانت نتائجه مفاجئة حتى بالنسبة لنا. أجرينا مقارنة داخل مزرعة تستخدم أعلافنا، حيث تولينا إدارة التغذية في عدد من وحدات الإنتاج وقارنا النتائج بالممارسات المعتادة في بقية المزرعة. وفي نهاية التجربة، وصل وزن الأسماك التي أدرنا تغذيتها إلى أكثر من ضعف وزن أسماك المجموعة العمرية نفسها الموجودة في قفص شبكي على بُعد عشرة أمتار فقط. والاختلاف الوحيد كان في أسلوب التغذية الذي تم تطبيقه."
ويضيف مدير الأبحاث أنه على الرغم من أن الفارق في هذه الحالة كان استثنائيًا، فإن التجارب تظهر باستمرار تحسنًا واضحًا في الأداء عند تطبيق ممارسات تغذية محسنة مقارنة بالأساليب التقليدية.
التغيير التدريجي هو النهج الأفضل
ومع ذلك، لا يوصي خبير التغذية بإحداث تغيير شامل في جميع وحدات المزرعة دفعة واحدة.
"لا أحد يتوقع أن يغير كل شيء خلال موسم واحد. لا يمكنك ببساطة تغيير جميع ممارساتك من عام إلى آخر ثم تتوقع أن تحقق فجأة أرباحًا ضخمة لم تكن تحققها من قبل"، يوضح الدكتور غرايلينغ، ويتابع:
"إذا كان لديك 20 حوضًا، فابدأ بحوضين فقط في السنة الأولى. استخدم فيهما علفًا عالي الجودة وطبّق نظام إدارة التغذية الذي نوصي به. وبعد أن ترى الفرق بنفسك، يمكنك في العام التالي تطبيق النهج نفسه في حوضين آخرين. وعندما تصل في نهاية المطاف إلى آخر حوض، ستكون قد بدأت بالفعل في جني الفوائد الكاملة لهذا التحول."
وفي أحد المشاريع الحالية، أتيحت لـ Aller Aqua فرصة إدارة ثلاثة أحواض لدى أحد المزارعين. ويلتقي الخبراء الفنيون المشاركون في المشروع بانتظام مع صاحب المزرعة لمقارنة أداء هذه الأحواض ببقية الأحواض التي يواصل المزارع إدارتها بنفسه.
"نتبادل معه المعلومات باستمرار ونقدم له المشورة بشأن هذه الأحواض الثلاثة، ونحن واثقون من أننا سنتمكن بحلول نهاية العام من إظهار الفارق الإيجابي بوضوح."
ويرى مدير الأبحاث أن تجربة الأساليب الجديدة في عدد محدود من الأحواض في كل مرة تمثل وسيلة منخفضة المخاطر للبدء في تحديث أساليب إدارة المزرعة السمكية. ويضاف إلى ذلك الدعم الذي يقدمه فريق Aller Aqua Research للمزارعين الراغبين في تجربة هذا النهج.
"عادةً ما نجتمع مع أصحاب المزارع وصناع القرار الآخرين، ونوضح لهم ما نعتقد أنه ينبغي تحسينه وبأي ترتيب. ونحرص قدر الإمكان على عقد هذه الاجتماعات داخل المزرعة، حتى نتمكن من توضيح للعاملين بصورة عملية أين يمكن تحسين الممارسات اليومية، وما الذي يجب تغييره، وكيفية القيام بذلك. وهذا يساعد أيضًا على تعزيز التعاون بين العاملين وإدارة المزرعة."
التصدير إلى أوروبا خيار ممكن
يتم بيع واستهلاك الغالبية العظمى من الأسماك المنتجة في أفريقيا داخل الأسواق المحلية. وهذا أمر إيجابي من منظور الاقتصاد المحلي وسلاسل القيمة القصيرة، إلا أن العديد من المزارعين يعانون في الوقت نفسه من تراجع هوامش الربح وضعف قدرتهم على تحقيق أسعار أفضل في أسواقهم.
"عندما تبدأ هوامش الربح في التراجع، يكون رد الفعل المعتاد لدى كثير من المزارعين هو التحول إلى أعلاف رخيصة ومنخفضة الجودة في محاولة لتقليل التكاليف"، يقول الدكتور غرايلينغ، ويتابع:
"لكن النتيجة غالبًا ما تكون دورة إنتاج أطول، والحاجة إلى كميات أكبر من العلف لتحقيق كل كيلوغرام من النمو، بالإضافة إلى تدهور جودة المياه. وفي النهاية، تؤدي كل هذه العوامل إلى انخفاض ربحية الإنتاج بدرجة أكبر."
ويرى الكثير من المزارعين في سوق الاتحاد الأوروبي فرصة للخروج من هذه الدائرة. وبحسب الدكتور غرايلينغ، فإن هذه الفكرة تستحق الاهتمام. فهو لا يرى سببًا يمنع البلطي النيلي أو القرموط الأفريقي أو البوري المستزرع في أفريقيا من الوصول إلى الأسواق الأوروبية.
"من ناحية الأعلاف، لا يوجد ما يمنع التصدير إلى أوروبا. تعمل Aller Aqua وفقًا للمعايير العالمية، والتي يستند كثير منها إلى المعايير الصارمة المعمول بها في الدنمارك، بلد المنشأ للشركة. لذلك، ومن منظور العلف، لا نتوقع أن تكون هناك عوائق تشريعية تحول دون بيع هذه الأسماك في أوروبا"، يقول غرايلينغ.
أما التحديات الأكبر فتتمثل في ضمان جودة المياه في المزارع السمكية وتوافر بنية تحتية محلية مناسبة للمختبرات والتحاليل.
"علينا التأكد من أن سلسلة الإنتاج بأكملها تعمل وفق المتطلبات اللازمة. هل مياه الأحواض محمية من التأثيرات المحتملة للأنشطة الزراعية المجاورة؟ هل توجد في المياه أي مواد كيميائية غير مسموح بها؟ هل توجد في بلدك مختبرات معتمدة قادرة على إجراء تحاليل المتبقيات وفقًا لتشريعات سوق التصدير المستهدف؟ وماذا عن تكاليف النقل؟ كل هذه العوامل يجب أخذها في الاعتبار."
ويشدد مدير الأبحاث على أنه حتى إذا تمكن المزارع من الوصول إلى سوق آخر يدفع سعرًا أعلى لكل كيلوغرام من الأسماك، فإنه لن يحقق كامل إمكاناته الاقتصادية دون إدارة التغذية بالشكل الصحيح.
"الأمر في الحقيقة بسيط: الإدارة الجيدة للتغذية تأتي أولًا، وأي استراتيجية أخرى تأتي بعدها."